فلسفيات الباكالوريا

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» محاضرة الكترونية في مادة التفاضل والتكامل 1
السبت أكتوبر 01, 2016 1:29 pm من طرف صالح زيد

» بنية مقال تحليل النص
الجمعة مارس 18, 2016 6:47 pm من طرف lamine

» مارسيل خليفة من السالمية نت
الجمعة مارس 18, 2016 6:30 pm من طرف lamine

» الإحداث في "حدث أبو هريرة قال"
الإثنين أبريل 20, 2015 11:59 pm من طرف lamine

» النص و التأويل
الثلاثاء ديسمبر 16, 2014 2:54 am من طرف ssociologie

» نسبية الاخلاق
الخميس مايو 22, 2014 10:36 am من طرف besma makhlouf

» العربية في الباكالوريا
الخميس نوفمبر 14, 2013 12:57 am من طرف الأستاذ

» الفكر الأخلاقي المعاصر
الثلاثاء نوفمبر 05, 2013 11:39 am من طرف هاني

» محاورة الكراتيل
الإثنين يناير 07, 2013 11:10 pm من طرف بسمة السماء

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 13 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 13 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 178 بتاريخ الأحد مارس 04, 2012 10:50 pm

العقلانية الديكارتية :الدكتورعلي الشنوفي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العقلانية الديكارتية :الدكتورعلي الشنوفي

مُساهمة من طرف ahmed horchani في السبت مايو 15, 2010 1:51 pm

العقلانية الديكارتية :الدكتورعلي الشنوفي
منقول عن موقع مينيارفا
درس في تاريخ الفلسفة سنة 1987/1988
المقدمـة
هناك موقفان رئيسيان من العقل، موقف له صبغة ما ورائية يعتقد أن العقل مهما اختلف الزمان والمكان وضمن مجالات مختلفة يبقى اساسا هو هو. وموقف فلسفي و ابستمي في آن واحد يعتبر أن العقل ظاهرة تاريخية لا محالة، ويميز بالتالي بين عقلانيات مختلفة، كأن يقول عقلانية يونانية، عقلانية قروسطية، عقلانية حديثة، عقلانية جدلية... و هذا الموقف ينطلق من فكرة نسبية العقل ويحاول إبراز الصفات الخاصة لكل عقلانية. لكنه ربما لا يهتم بمسألة علاقة هذه العقلانيات بإمكانية وجود عقل واحد أو على الأقل صفات أساسية وأولية لكل نوع من هذه العقلانيات.
و نستطيع أن نقول أن العقلانية اليونانية اتسمت بصفات خاصة منها عامل النقاش والجدال. هذا العامل الذي ظهر في اثينا لا بين المدارس الفلسفية والمذاهب الفلسفية فقط بل في الساحة الأثينية l’agora حول المسائل الرئيسية التي كانت تهم المدينة اليونانية آنذاك، و النقاش لم يكن مجرد عامل خارجي للعقلانية اليونانية بل إنه يندرج ضمن الموقف اليوناني من العقل. من ذلك الجدال الأفلاطوني السفسطائي الذي ترتكز عليه أهم مواقف أفلاطون من الفلسفة، و الجدال الذي نجده ضمن فلسفة ارسطو في "ما بعد الطبيعة" وخاصة في الكتاب الأول، بما أن أرسطو يقوم بشبه تأريخ للفلسفة، ولكنه تاريخ غائي يريد أرسطو أن يبين من ورائه أن الحقيقة اكتملت عنده بعدما ظهرت جزئيا في الفلسفات السابقة. يمكن أن نقول إذن، أن العقلانية اليونانية اتسمت بعامل النقاش و الاعتقاد بان الحقيقة تتكون شيئا فشيئا عن طريق الجدال، و مهما كان موقف ارسطو من هذا الجدال إذ نجده ينبذ الجدلية الأفلاطونية و يحاول تركيز علم يتخلى تماما عن هذه الجدلية، ذلك انه يقرّ في نفس الوقت بأن الجدلية هي التي تبلور المبادئ العقلية الأساسية مثل مبدأ عدم التناقض، و هذا المبدأ هو مبدأ مؤسس للعلم، لكن العلم لا يؤسس هذا المبدأ بل يبقى في مجال البحث الجدلي.. و لبيان الاختلاف بين هذا النوع من العقلانية والعقلانية الحديثة يمكن أن نعتبر أن العقلانية الحديثة كما ظهرت عند ديكارت أصبحت تعتقد أن العقل مهما كان موازي للواقع هو عقل ابستمي إنساني، أي ليس هناك وجود عقلي خارج الإنسان، و هذا العقل منسجما تماما، أي أن اختلاف المجالات التي يبحث فيها العقل لا يجعل العقل مختلفا، بل أن ديكارت يلح على أن العقل يمكن له أن يعرف الذات والوجود بنفس المعايير، فالعقل الديكارتي يوحد مجال المعرفة ويوحد نفسه في الآن نفسه ويركز على ضرورة الوضوح والبداهة والتمييز ويعطي القيمة الأولى للعقل العارف لا العقل كما هو، فديكارت يميز بين ما يسميه ratio Cognoscendi وRatio essendi . و يبين ديكارت أنه لا مجال للنقاش والحوار ضمن هذا العقل الجديد، ولذلك يتخلى تماما عن المدرسة وعن القرون الوسطى وعن أرسطو.
فديكارت يعتبر العقل كنور طبيعي، و لهذا لا يعتقد في ضرورة الاعتماد على تاريخ الفلسفة وعلى ما كان يعتبر السلطة الكمية في ذلك الوقت وخاصة الفهم الذي كان متداولا لفلسفة أرسطو<!--[if !supportFootnotes]-->[1]<!--[endif]-->، فالعقل الديكارتي يفترض مفهوم النظام.
و سواء تعلق الأمر بالتأملات أو بالنصوص الديكارتية الأخرى، ينبغي أن نطبق عليها ما ردده ديكارت نفسه في الإجابة عن الافتراضات من أن نظام الأفكار هو النظام الفكري الوحيد الذي يختلف أو يتناقض مع نظام المواد. فديكارت كما يتضح ذلك في التأملات لا يحلل مادة بعد مادة أو موضوع بعد موضوع، أي لا يخضع لنظام علاقة المواد ببعضها بل يحلل الأفكار حسب ضرورة تسلسلها، الواحدة بعد الأخرى، فديكارت عندما يبرهن مثلا على وجود الله في التأملات لا يدرج مجموعة من البراهين مع بعضها في نفس الحيز بل يفصلها عن بعضها، فهناك برهان يرتبط بالفكر الإنساني ومحدوديته، لذلك وجب أن يورد مباشرة بعد هذه المقولة، بينما هناك برهانين آخرين لا يرتبطان بمحدودية الفكر بل بمقولتين مختلفتين يحتمان على ديكارت برهنة مختلفة على وجود الله ويأتيان في مرحلة مختلفة عن المرحلة الأولى كذلك الأمر بالنسبة لنص قطعة الشمع، فنحن نعرف من جهة أن العالم المادي أي الطبيعة في مجال الفيزياء لا يصل إليه ديكارت إلا في التأمل السادس فبعد تركيز وجود الذات وبيان ماهية الذات والبرهنة على وجود الله يكتشف ديكارت الطبيعة. لكن نحن نعرف من جهة أخرى أن تحليل قطعة الشمع التي تفترض وجود مادي بالنسبة لمن يتعلق بنظام المواد، يقع في التأمل الثاني، لذلك اعتقد بعض الشراح في وجود تناقض، لكن لو جعلنا الأمر يخضع لقانون الأفكار فقط كما يِلح على ذلك ديكارت لا نجد أي تناقض بين هذين النصين، ذلك أن تحليل قطعة الشمع لا يرتكز على الوجود الحقيقي للعالم المادي بل على وجود ممكن كفرضية فقط، وهذا الوجود الممكن ليس ممكنا في نظر ديكارت بقدر ما هو ممكن في نظر من اعترض على ديكارت، فنص قطعة الشمع هو جواب على اعتراض، فديكارت يقول: "لنفترض أن هناك وجود عالم مادي فإلى ماذا يؤدي تحليل جزء من هذا العالم المادي؟" والاعتراض متأتي من طرف التجريبيين والحسيين الذين يعتبرون أن الأفكار وخاصة أن فكرة الروح لا تصدر من العقل بل تصدر عن التجربة و بالتالي عن طريق الحواس. و عندما يحلل ديكارت قطعة الشمع فهو يبين أن العالم المادي نفسه لا يفهم إلا عن طريق الفكر، وبذلك تنقلب الوضعية تماما إذ أن ديكارت يخرج بنتيجتين يحطم بهما موقف الحسيين والتجريبيين في عقر دارهم: فالنفس لا تعرف ذاتها إلا عن طريق ذاتها، ثم إن العالم الحسي أو المادي لا يفهم إلا عن طريق الفكر. وهذا يبين أن تسلسل الأفكار هو التسلسل الرئيسي، فكلما اقتضى الأمر الفكري أن نستنتج فكرة من فكرة أخرى إلا و وجب أن نقوم بذلك الاستنتاج: نظام الأفكار هو إذن النظام الفلسفي العقلاني الوحيد. وهذا يحتم علينا بدورنا أن نقرأ ديكارت انطلاقا من هذا المبدأ الديكارتي نفسه أي أن نتبع نظام أفكاره ولا نظام المواد عنده.<!--[if !supportFootnotes]-->[2]<!--[endif]-->
إن النظام الفكري، عكس تسلسل المواد، يقتضي أن نبتعد عن المعطى المباشر لهذه المواد وأن يسترجع نفسه بنفسه و يضع تنظيما مغايرا لما عليه الأشياء في العالم الخارجي حتى يترك لنفسه إمكانية التفكير في نفسه لا في غيره، أي أن يفكر في المبادئ التي ينبغي أن يرتكز عليها لاكتشاف عملية الفكر نفسها. و أول هذه المبادئ الفكرية هي الانطلاق من مبدأ واحد، يكون في انفصال تام وقطيعة واضحة مع كل ما كان مغايرا للفكر، و لهذا نجد ديكارت منذ التأمل الأول يلح على ضرورة التركيز على مبدأ واحد فلن نشك في محتويات الحواس و لا في كل معطياتها بل في المبدأ الحسي بصفة عامة، و بالتالي إرجاع تعدد المواد إلى مبدأ فكري عام يكون مبدءا فاصلا بين الفكر والظن مهما كانت قيمة هذا الظن. فديكارت يريد أن يركز من ناحية العلم الجديد و من ناحية أخرى الفلسفة الجديدة أو بالأحرى الفكر الفلسفي الجديد. و لذلك ينبغي أن نكتشف هذه الفلسفة الجديدة لتركيز هذا العلم الجديد والاكتشاف عند ديكارت أو الإبداع الفلسفي يختلف تماما عن التواصل أي عن الجدال بالمعنى الفلسفي الأثيني أو حتى بمعنى مختلف. فديكارت لا يعتقد في قيمة الجدال مهما كان المستوى النظري لهذا الجدال، فالفلسفة عنده هي إنتاج مفاهيم و إبداع فكر فلا نقاش و لا مشاركة في الآراء، و أن يبدع الفيلسوف عند ديكارت يعني أن يبلور مفاهيم جديدة، تكون مفاهيم فكرية مجردة، لكن مفاهيم فكرية تأتى عن ضرورة ما لا لمجرد الخلق، وهذه الضرورة هي ضرورة فكرية بحتة وهي ناتجة بدورها عن إلحاح مسائل أو مشاكل فكرية جديدة و يكون كل مفهوم جديد فيها. و هذا المفهوم الضروري يحتوي في ماهيته على مفارقة، فنحن نخطئ عندما نعتبر أن المفهوم المفارق هو مفهوم لا فلسفي لأنه متناقض (على الأقل ظاهريا) لأن المفهوم الفلسفي لا يكون إلا مفارقا للظن وللآراء السائدة و هذا هو الجديد في المفهوم، فالمفهوم ينبغي أن يكون مفارقا، و هذا ما نجده في بداية التحرك الفكري الديكارتي في التأملات: ضرورة الفصل بين الفكر وما يخالف الفكر وضرورة إنتاج مفاهيم مفارقة انطلاقا من اكتشاف الكوجيتو نفسه.
إن النظام الفكري الديكارتي يتوخى منهج الاكتشاف LA RATIO COGNOSCENDI لا الكشف عن ماهية العالم كما هو معطى. و نظام الاكتشاف هذا نجده في التأملات يخضع إلى مبدأ "من الماهية إلى الوجود" أي نكتشف الماهية ثم نتساءل فيما بعد عن إمكانية وجود هذه الماهية. لكن المفارقة الأولى في هذا النظام نفسه هي مفارقة الكوجيتو ذلك أننا نكتشف وجود "الأنا المفكر ثم نتساءل عن ماهية هذا الأنا". يقول ديكارت: "أنا أفكر أنا موجود" لكن ما هي ماهيته كوجود يفكر، وعندما يحاول ديكارت الإجابة عن هذا السؤال يستعمل طريقة التحليل التي تقتضي الانطلاق من المركب وتفكيكه للوصول أخيرا إلى أبسط العناصر وأوضحها. "فأنا شيء حقيقي موجود حقا، ولكن أي شيء؟" "شيء يفكر"، و"ماذا بعد؟". ماذا يعني شيء يفكر؟ "أي شيء يشك، يتصور، يقدر وينكر، يريد ولا يريد، ويتخيل كذلك ويحس" و يتساءل ديكارت عن معنى الخيال والحس، لينتهي إلى القول بأن التخيل والإحساس بدون عقل لا يساويان شيء، فالحواس ما هي إلا مجرد مخارج تفتح على العالم الخارجي أما ما يفهم الأشياء حقا فهي قدرتي على إصدار الأحكام الكامنة في ذاتي، في عقلي، إذ أفهم بها ما كنت أعتقد أني رأيته بعيني.
لكن هذا التسلسل من الوجود إلى الماهية فيه مفارقة لأن كل المسائل التي تنتج عن هذه المفارقة الأولى في التأملات سوف تحترم النظام الديكارتي العام من الماهية إلى الوجود لا من الوجود إلى الماهية فأنا مثلاّ، أكتشف ماهية الله، وهو كائن لا متناهي، ثم أكتشف وجوده فيما بعد وهذا يعكس علاقة وجود الكوجيتو بماهية الكوجيتو، لأنني في هذه الحالة اكتشف الوجود أولا ثم أتساءل عن ماهية هذا الكوجيتو فيما بعد. لكن هذه المفارقة في حالة الكوجيتو قد يمكن تجاوزها إذا ما اعتبرنا أن الكوجيتو وجودا وماهية هو في الحقيقة نفس الشيء إنما اقتضى الأمر الفكر أن اكتشف وجودي كفكر قبل أن اكتشف ماهيتي كفكر. ذلك أننا إذ اعتبرنا أن التأملات خاضعة برمتها إلى حد التأمل الثالث، إلى مبدأ الشيطان الماكر أو الإلاه الماكر، فالخطأ العام الذي يسود حركة التأملات يبقى ساري المفعول بعد اكتشاف الله والطبيعة فيظهر الكوجيتو في ضعفه شبيها بقصة باسكال، أي شيء يفكر لكن ضعيف جدا، أي أن الكوجيتو يبقى مجرد استثناء داخل الشك العام، وبما أنه استثناء فهو استثناء وجودي قبل كل شيء وهذا الوجود الهش للكوجيتو يجعل علاقة الوجود بالماهية علاقة مرتبكة على الأقل ظاهريا. لكن نظام الأفكار سوف يعطي لهذا الكائن المفكر مصيرا فلسفيا مازال الفكر الغربي إلى الآن يريد استرجاعه رغم كل النقد الموجه له، إذ يكتشف الإنسان كذات ابستيمية.
المنهج عند ديكارت
يقول ديكارت في الجزء الأول من مقالة الطريقة (الصفحة 35 من طبعة G.F 1966):
« Ainsi mon dessin n’est pas d’enseigner ici la méthode que chacun doit suivre pour bien conduire sa raison, mais seulement de faire voir en quelle sorte j’ai taché de conduire la mienne »
ثم يذكر في الجزء الثاني من مقالة الطريقة ( الصفحة 47 من طبعة 1966. G.F):
« 1.le premier était de ne recevoir jamais qu'une chose pour moi, que je ne la connaisse évidemment été telle : c’est-à-dire, d’éviter soigneusement la précipitation et la prévention ; et de ne comprendre rien de plus en mes jugements, que ce que se présenterait si clairement et si distinctement à mon esprit, que je n’eusse aucune occasion de le mettre en doute.
2.le second de deviser chacune des difficultés que j’examinerais en autant de parcelles qu’il se pourrait, et qu’il serait requis pour les mieux résoudre.
3.le troisième, de conduire par ordre mes pensées, en commençant pour les objets les plus simples et les plus aisés à connaître, pour montrer peu à peu, comme par degrés, jusques à la connaissance des plus composés ; et supposant même de l’ordre entre ceux qui ne se précèdent point naturellement les uns les autres.
4.Et le dernier, de faire partout des dénombrements si entiers, et des revues si générales, que je fusse assuré de ne rien omettre »
هذه إذن قواعد المنهج حسب ديكارت وهي قواعد بسيطة في حد ذاتها إلى درجة أنها تبدو ضئيلة جدا أو ضعيفة جدا لأنها لا تثري حقا المنهج والبحث الفلسفي. و ربما لشيء كهذا يلح ديكارت في الجزء الأول من مقالة الطريقة على أن منهجه لا يصلح للغير بل يصلح لديكارت نفسه ولا يبين لنا طريقة الاكتشاف أو البرهنة ولذاك نجد الجزء الأول من مقالة الطريقة يهتم بحياة ديكارت وبصفة خاصة بتعليمه المدرسي و كيف اعتقد أنه ينبغي أن ينطلق من هذه القواعد الأربعة لبناء تفكير جديد.
وكأن المنهج الديكارتي عندما نرجعه إلى هذه القواعد الأربعة فقط، يبدو منهجا تقنيا ضعيفا، بينما مشروع ديكارت، هو مشروع ثوري حسب موقف ديكارت نفسه، ذلك أن ظهور الشك وقواعد المنهج تشكل تحولا جذريا بالنسبة للتعليم المدرسي، أي أن الفكر الذي يريد تركيزه، ديكارت، لا يهتم بتكثيف المعرفة بقدر ما يهتم بتغييرها تغييرا جذريا وارتقاء النفس إلى مرتبة جديدة تكون فاعلة في معرفتها* إذ يجتهد الفيلسوف بالنسبة لديكارت في الوصول إلى الالتحام بنفسه والانطلاق منها قبل كل شيء عكس المنهج المدرسي الأرسطي، ذلك أن الفكر عند أرسطو هو فكر مواز للكائن، للوجود، هذا الكائن الذي ينبغي أن يقال حسب مقولات متعددة، فالكائن عند أرسطو هو كائن المقولات، والمقولات هي مقولات الكائن، ولذلك نجد أرسطو في التحليلات الأولى (الجزء 1 الفقرة 3) وفي التحليلات الثانية (ج2. ف5) يعيب على الأفلاطونية جدلية التقسيم التي ظهرت خاصة في المحاورات الأخيرة وتبلورت بصفة نهائية في محاورة السفسطائي. فأرسطو يرى أن منهج القسمة الأفلاطوني Dichotomie عشوائي، فالتقسيم الثنائي لا يخضع لمبدأ عقلي محدد لأنه يضع الوسائط التي تجعلنا ننتقل من جزء إلى آخر ومن ثنائية إلى أخرى عندما نميز في الجنس الواحد أنواعا مختلفة، أي عندما نميز في المفهوم الواحد عنصرين مختلفين، فأرسطو يعيب على أفلاطون عدم الوصول إلى المفهوم والتشبث بالفكرة لا بالمفهوم، وفلسفة أرسطو من هذا المنظور هي فلسفة محاولة إيجاد تطابق بين الأشياء، و هذا هو عمل المفهوم، ولكن أرسطو نسي أن فلسفة أفلاطون لا تبحث عن تطابق بل على صحّة شيء ما أو على عدم صحته، فعندما يحلل أفلاطون ادعاء ما، فهو يحاول أن يحكم على مدى صحة هذا الإدعاء، أي أنه يمتحن مدى اقترابه من الفكرة ومشاركته فيها، فعلاقة الفكر بالادعاء عند أفلاطون هي علاقة الأب والبنت والخاطب، إذ يحاول الأب (الفكرة والمثال) الحكم على هذا العنصر الثالث (الخاطب) الذي يدعي و يريد أن يقترب من العنصر الثاني (البنت) (وهي ما يشارك في المثال) ليشارك في العنصر الأول. و ديكارت يقترب من أفلاطون في هذه الناحية، ويبتعد كل البعد عن أرسطو خاصة في القاعدة المنهجية الأولى والثانية أي قاعدة البداهة والتحليل. ذلك أن البداهة والتحليل يفترضان الشك في كل الأشياء غير الواضحة والمتميزة والشك في كل الأشياء المركبة كما يفترضان الانطلاق من حدس أول، فعقلانية ديكارت ترتكز على الحدس و البداهة وهذا المبدأ لا يمكن للمدرسيين و لا لأرسطو قبوله لأن المعرفة عندهم موازية للكائن لا للنفس العارفة و إرادتها. و نظام الأفكار الذي يرتبط بهذا الحدس الأول، أي بالبداهة، هو تسلسل الحدوس و اتصالها ببعضها مع أنها منفصلة، فكل حدس هو حدس فكرة واحدة واضحة ومتميزة لكن نظام الأفكار ينبغي أن يكون سلسلة الحدوس المرتبطة ببعضها رغم أنها منفصلة . ولذلك يحتاج هذا المنهج إلى العودة دائما وعد الأفكار في كلّ مرة و بانتباه شديد و بإرادة متمادية لكي لا ينزلق الخطأ بينها. و هكذا تكون العودة دائما، إلى البداهة الأولى، إلى الحدس الأول، و بالتالي إلى الكوجيتو المنعزل تماما عن العالم وعن الله بل وعن مجموعة الأفكار التي تظهر فيما بعده، ولهذا فإن كان فكر سقراط و أفلاطون هو فكر الساحة الأثينية أي نقاش لايخضع لتحديدات نهائية ننطلق منها لنستنتج منها تحديدات أخرى مثلما سيكون الأمر مع أرسطو، فإن الأمر عند ديكارت يصبح مخالفا جدا أو مخالف لما سيكون عليه الأمر عند ليبينيتز وهو فيلسوف المكتبة وما سيكون عليه الأمر عند هيقل وهو فيلسوف الجامعة وما كان عليه الأمر عند الغزالي وهو فيلسوف المدرسة النظامية و ما كان عليه عند ابن رشد وهو فيلسوف قرطبة وفيلسوف المسجد، فالأمر عند ديكارت يصبح مخالفا، ذلك أننا نبقى دائما في عزلة الكوجيتو وعزلة الأفكار لذا سوف يحتاج ديكارت إلى الله كضمان للحقيقة.
إن العقل عند ديكارت هو مجموعة الأفكار الواضحة والمتميزة أي مجموعة الحدوس وهو عقل وثوقي توكيدي، لكن وثوقيته محدودة، لأن كل فكرة واضحة ومتميزة هي صحيحة بصفة مطلقة، و كل ما أدركه بصفة واضحة و متميزة هو صحيح وبالتالي مطلق و هذه هي وثوقية ديكارت، لكني لا أدرك كل الأشياء، هناك أشياء لا أدركها لأن ذهني متناهي، وهذا يبين محدودية اطلاقية أو وثوقية فلسفة ديكارت أو عقلانية ديكارت ولهذا تبقى في عقلانية ديكارت ثغرات كبرى سوف يحاول الديكارتيون الآخرون فيما بعد سدها.
و ما ينبغي أن نؤكد عليه في هذه القواعد البسيطة للمنهج، هو القاعدة الأولى لأن كلّ القواعد الأخرى تخضع إلى هذه القاعدة الأولى، وهنا ينبغي أن نذكر بالنمط أو النموذج الذي يخضع إليه هذا المبدأ الاول. نحن نعلم أن ديكارت يقول أن الرياضيات هي أحسن معيار للحقيقة في الفلسفة، و الرياضيات عنده لا بمعنى الحساب ولكن بمعنى الهندسة لأن الهندسة تمكننا من مشاهدة الشكل بصفة واضحة، أما العدد وعمليات التعديد فهي تثقل الذهن ولا تمكنه من سلسلة الحدوس الواضحة التي تحتاج إليها فلسفة ديكارت، فالرياضيات بمعنى الهندسة، لأنها لا تبالي من جهة بالمحتوى فهي مجردة ولأنها من جهة أخرى تجعل الذهن يفكر في نفس عملياته لا في شيء خارج عنه، و لأنها تمثل من جهة ثالثة تسلسل عقلاني واضح. و الرياضيات بهذه المعاني تصبح الطريق الملكي للفلسفة عند ديكارت، و لهذا يتخلى ديكارت عن منهج الجدل الأفلاطوني و عن منهج البرهان الأرسطي الذي هو منطقي لا بمعنى رياضي هندسي، ويلح ديكارت على الكوجيتو، وهو في معناه الأول يدل كالرياضيات على استقلالية الفكر. فالعقل يصبح لأول مرة مع ديكارت جوهر، فهو فكر خالص، أي فكر لا يفكر فقط في الواقع بل يفكر في نفسه وفي الممكن، فالشك إذن عكس ما نفهمه غالبا ليس شكا في الواقع بقدر ما هو شك في الممكن، أي معنى الفكر عند ديكارت، لأول مرة يسترجع ذاته ليفكر بصفة خالصة تماما، ولهذا يعتمد ديكارت على مبدأ: من المعرفة إلى الكائن النتيجة صحيحة، أو مبدأ من الماهية إلى الوجود أو مبدأ من القيمة الموضوعية للفكرة إلى القيمة الصورية للفكرة، وهذه المبادئ الثلاث تدل على مدى القيمة التي يعطيها ديكارت إلى الفكر الخالص قبل وصوله إلى العالم الخارجي، ذلك أن الفكر مستقل بذاته وأصبح جوهرا. و لذلك كل ما أعرفه بصفة واضحة ومتميزة أعرفه بصورة مطلقة رغم أني لا أعرف كلّ الأشياء، وعندما يتساءل ديكارت هل أني متيقن من يقيني؟ فهذا يعني من ناحية هل أن الفكرة البديهية التي تبدو لي كذلك لها قيمة موضوعية ومن ناحية أخرى هل أن هذه الفكرة لها قيمة صورية، وهذا يعني أولا هل أن فكرتي بقطع النظر عن العالم الخارجي هي فكرة صحيحة أم مجرد ظن أو خيال، و يعني ثانيا هل أن هذه الفكرة الصحيحة لها ما يوازيها في العالم الخارجي، وبطبيعة الحال يعطي ديكارت للسؤال الأول أكثر قيمة، أي للبحث عن القيمة الموضوعية للفكرة، لكن كيف نعرف أن الفكرة كفكرة بقطع النظر عن العالم الخارجي عندما تبدو لي بديهية تكون صحيحة، أي إلى أي مدى يمكن أن نعتبر مثالية عقلانية ديكارت مثالية موضوعية بالمعنى الذي يعطيه ديكارت لكلمة "موضوعية"؟
هذا ما يجر ديكارت إلى بحث خاص بالأفكار انطلاقا من مصدرها إلى قيمتها وإلى علاقتها بالعالم الخارجي. و لكي يجيب ديكارت على هذا السؤال الرئيسي في فلسفته ينبغي أن يضع موضع شك كل الواقع وكل الممكن ومن هنا نفهم أن الشك عند ديكارت جزء رئيسي لا مجرد مدخل إلى لفلسفته. و الشك يتوخى فرضية الشيطان الماكر، أي مجرد فرضية فكرية خالصة لكي يكون الشك أولا شكا فكريا و منهجيا فقط لا شكا معاشا أو تجربة حياتية شكلية، و منهجي لا يعني فقط مجرد مدخل للفلسفة بل أساسا له قيمة فكرية فقط، و يرمى بما أنه منهجي إلى تأسيس العلوم والمعرفة الصحيحة على مبادئ ثابتة و لذلك لا يحتاج ديكارت إلى الشك في أشياء أخرى، أو إلى تنزيل الشك إلى الحياة (ولهذا يترك مجالا خارج الشك، مجال الدين والأخلاق والسياسة أو هو لا يهتم بهذه القضايا على الأقل على مستوى البحث الفكري الأول). ولهذا يكون هذا الشك مرة واحدة، أي يكون كحدث فكري ينتج تحول جذري من الظن إلى الفكر الخالص، وإلى جانب أنه شك منهجي هو شك ما ورائي بمعنى أنه شك لا نهائي عكس موقف أرسطو الذي يقر أنه ينبغي أن نقف عند حد ما لكي نؤسس العلم. أما ديكارت فهو لا يقف إلا على مستوى الواقع و لا على مستوى الممكن، الشك يمكن أن يكون لا نهائي ودائري، ولهذا يشعر ديكارت أن الفكر قد يؤدي إلى الجنون. والشك ثالثا يميز مبدئيا بين الواقع و الممكن و كل ما يمكن أن نكتشفه من أفكار صحيحة يبقى ضمن هذه العملية الإرادية اللامتناهية مجرد استثناء، لكنه استثناء هام جدا، رغم أن هذا الاستثناء الهام هو الذي سوف يخرجنا من الشك و يكتشف الله كضامن للحقيقة ثم يكتشف موضوعية الأفكار وصورية الأفكار ويعطينا معيارا بين الأفكار و الحكم عليها.
الكوجيتو عند ديكارت
بما أن الشك له طابع ما ورائي أي هو شك في الواقع وفي الممكن في آن واحد، فإن اكتشاف الكوجيتو، أي اكتشاف وجود شيء يفكر لا يمكن ضمن هذا الإطار إلا أن يكون مجرد استثناء، أي أنه اكتشاف بالفعل كحدث واقعي لا اكتشاف قانوني ومشرع في حد ذاته، و هذا يعني أن الشك يبقى دائما ساري المفعول، لكن هذا الاستثناء يجعلنا نتحصل على معيار للأفكار الواضحة والمتميزة، و لذلك يمكن للذات الابستيمية حتى قبل اكتشاف ضمان انطولوجي للحقيقة، أن تميز بين الأفكار الواضحة والصحيحة والأفكار غير الواضحة و غير الصحيحة، ذلك أن الكوجيتو هو طبيعة بسيطة، أي أن التحليل يجعلنا فيا لنهاية نتمكن من بلورة فكرة الكوجيتو كفكرة بسيطة ، بل هو طبيعة بسيطة و مطلقة بالمقارنة مع الرياضيات التي هي أفكار واضحة و متميزة أي طبيعة بسيطة بالنسبة للكوجيتو، بينما الكوجيتو هو طبيعة بسيطة مطلقة، وهنا يكمن مشكل ابستمي عند ديكارت و هو في الحقيقة مشكل يمس كل عقلانيات القرن السابع عشر ويتمثل في الدور المزدوج الذي تلعبه الرياضيات بالنسبة للعقل أو الفلسفة العقلانية، لأن الرياضيات تبدو من ناحية النموذج الاسمي للوضوح والتميز ولذلك يستوردها كل فيلسوف عقلاني لعقلة فكره وفلسفته، ولكنها من ناحية أخرى تصبح نموذجا ثانويا بالنسبة لهذا الفكر أو العقل أو الفلسفة.
إن الكوجيتو استثناء وهو معيار لفكرة واضحة ومتميزة وهو طبيعة بسيطة مطلقة، ولذلك فهو جوهر بمعنى ابستمي فقط، بما أننا مازلنا في إطار الاستثناء، يعني أننا إذا حددنا الجوهر كشيء مستقل بذاته ويدرك ذاته بذاته، فإن الكوجيتو كجوهر ابستمي قبل اكتشاف ضمان مطلق للحقيقة يبدو أنه لا يستطيع أن يكون مستقلا بصفة مطلقة مع أنه يمكن أن يدرك ذاته بذاته، هذا الجوهر هو جوهر بما أنه طبيعة بسيطة، فهو جوهر بسيط أي لا ينقسم، عكس مفهوم الجوهر عند أرسطو و حتى عكس مفهوم الجوهر عند ديكارت عندما لا يتعلق الأمر بالفكر بل بالمادة. فالكوجيتو إذن هو استثناء، معيار للحقيقة وطبيعة بسيطة مطلق وهو جوهر لا ينقسم وهو لذلك أداة براغماتية لا انطولوجية لتأسيس العلوم، و هذا لا يعني أن هذه العلوم عندما تؤسس على هذا الكوجيتو الذي لم يؤسس انطولوجيا بعد، تبقى محل تردد أو شك لأن تاسيس هذه العلوم يكفيه الكوجيتو الابستيمي لبيان صحتها. و لهذا فإن الكوجيتو إلى جانب هذه الصفات المتأتية عن كونه استثناء، وهو جوهر بسيط وواضح، هذا الكوجيتو هو أيسر معرفة من الحجم لأنه بسيط بينما الجسم مركب، وهو جوهر روحي، أي يجب أن نميزه عن الجسم تميزا جوهريا،لا تمييزا عرفيا، فالكوجيتو روح وهو إلى جانب طبيعته الروحانية، ذهني خالص، أي أننا ينبغي أن نميز في الفكر نفسه بين الفكر كفكر بسيط مطلق والفكر الذي يبدو كصفة عرضية داخل هذا الفكر أي الخيال والإرادة والإحساس، إذ عندما نقول هنا أن الكوجيتو ذهني أي أنه يتميز عن الخيال والإرادة في الفكر نفسه تميزا لا جوهريا بل عرضيا فقط. فهذا الكوجيتو الذي يشكل استثناء ضمن الشك الماورائي و الذي يعتبر كمعيار للحقيقة و كطبيعة بسيطة مطلقة وكأداة ابستيمية لتأسيس العلم و كجوهر بسيط لا ينقسم، هذا الكوجيتو الروحي والذهني يعرف ذاته بذاته مباشرة.*
نـظرية الأفكار البسيـطة
بعد بيان أهم الصفات التي يتميز بها الكوجيتو عند ديكارت ينبغي أن نحلل محتويات هذا الكوجيتو أي الأفكار، وعندما نقول محتويات الكوجيتو فذلك يعني أن الفكرة عند ديكارت لا تنتج عن فعل الفكر أي عن عمل فكري ايجابي يكون خلاقا للأفكار وفاعل فيها، الفكرة عند ديكارت منفعلة، فهي مجرد لوحة على حد عبارة سبينوزا، وبما أنها مجرد لوحة، مجرد انعكاس لشيء خارجي، فينبغي أولا و قبل كل شيء أن نبحث عن مدى موضوعية تمثل الفكرة لهذا الشيء الخارجي أي عن القيمة الموضوعية للفكرة. هذا هو الشكل الأساسي الذي يضعه ديكارت في التأمل الثالث: ما هي القيمة الموضوعية للأفكار؟
وهذا السؤال يفترض أن الأفكار قد تكون لها قيمة موضوعية مختلفة حسب درجات قدرتها على تمثل الشيء الخارجي، الشيء الذي يفترض بدوره أن الأشياء الخارجية لها مراتب وجودية مختلفة (و هو ما يبرز لنا مدى تأثر ديكارت بالنظرة اليونانية للوجود والمعرفة، بما أن المعرفة والوجود لهما مراتب مختلفة، هذا الشيء الذي لم يفهمه هوبز من خلال الاعتراضات الثلاثة). و يعرف ديكارت الفكرة كشيء ينبغي أن يعكس شيئا خارجيا، لكن السؤال هو التالي: هل أن الفكرة تعكس حقا الشيء الخارجي، ومشكل التأمل الثالث هو البحث في امكانية الحقيقة عن طريق البحث في القيمة الموضوعية للفكرة، بينما يبحث التأمل الرابع في إمكانية الخطأ. عندما يبحث التأمل الثالث في القيمة الموضوعية للفكرة يريد أن يصل إلى بيان الكيفية التي تنتج بها الحقيقة. بينما يبحث التأمل الرابع في الحكم le jugement والخطأ ينتج عن الحكم.
فبالنسبة لديكارت القيمة الموضوعية للفكرة هي التي تحدد قيمة الحكم لا العكس ولذا ينبغي أن نبتدأ بالبحث في القيمة الموضوعية للفكرة، ويميز ديكارت بين القيمة الموضوعية والقيمة الصورية.
والقيمة الموضوعية هي قدرة الفكرة على تمثل شيء خارجي، بينما القيمة الصورية هي قيمة الفكرة في حد ذاتها. إن القيمة الموضوعية لا تقاس بقيمة الشيء الخارجي بل بقيمة تمثلها للشيء الخارجي.
يتمحور البحث في التأمل الثالث، إذن، حول القيمة الموضوعية للفكرة، لذلك يبدأ ديكارت بالتمييز بين الأفكار التي تكون بالضرورة صحيحة أو مخطأة و الأفكار التي لا يمكن أن يقال عنها صحيحة أو مخطأة ثم يعرض ديكارت (بدون أن نفهم لأول قراءة على الأقل لماذا) بتمييز آخر بين الأفكار الفطرية Innée و الأفكار المصطنعة Factice و الأفكار العارضة Adventice .
لكننا عندما نمعن النظر في هذا التمييز نفهم أن غاية ديكارت من هذا التمييز، هو تعرضه إلى مشكلة المصادر المختلفة للأفكار، فقد كان البحث الأول بين الأفكار التي يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة هو بحث في نوعية الأفكار التي ينبغي أن تعكس شيء خارجي، بينما لا يتعرض التمييز بين الأفكار فطرية و أفكار مصطنعة و أخرى عارضة إلى مدى تطابق الفكر مع هذا الشيء الخارجي بل إلى مصدر الفكرة فقط، لماذا يتعرض ديكارت إلى مشكل مصدر الأفكار بينما يمثل البحث في القيمة الموضوعية للأفكار البحث الأصلي، لماذا يتعرض إلى هذا البحث الثاني الذي يبدو مشوشا لتسلسل الأفكار؟
يبدو أن ديكارت شعر بنفس الشعور الذي ظهر في بداية التأمل الثاني عندما كان يبين أن الكوجيتو قادر على معرفة نفسه بنفسه مباشرة مبرزا آنذاك اعتراض ملح من طرف التجريبيين والحسيين الذين يتشبثون بالموقف القائل بأن الفكر يصدر عن العالم الخارجي الحسي، فتحتم الأمر على ديكارت أن يأخذ مثال من هذا العالم الحسي و هو قطعة الشمع كافتراض لوجود العالم الحسي لبيان أن الفكر يعرف نفسه بنفسه مباشرة، بل إن العالم الحسي نفسه لا يعرف إلا عن طريق الفكر، كذلك بالنسبة لهذا البحث في الأفكار الذي كان عليه أن يواصل البحث في القيمة الموضوعية للفكرة، ينقطع مؤقتا ليجيب عن اعتراض تجريبي وحسي من جديد ويتمثل هذا الاعتراض في بيان أن القيمة الموضوعية للفكرة تقاس حسب مصدر الفكرة، ومصدر الفكرة بالنسبة للحسيين، هذا التمييز الثاني بين الأفكار، يجيب على اعتراض الحسيين الذي يرجع مسألة القيمة الموضوعية لمسألة مصدر الأفكار، والذي يعتقد أن القيمة الموضوعية حسب المصدر هي القيمة المتأتية عن الحواس أي أن الأفكار العارضة هي وحدها الأفكار الصحيحة، أمام هذا الاعتراض أكد ديكارت على ضرورة فصل المسألتين (مسألة القيمة الموضوعية للأفكار ومسألة المصادر)، لذلك يضع ديكارت موضع شك كل مصادر الأفكار و يبين أن مسألة المصدر في مستوى الإنسان لا يمكن أن تعطينا حلا للمسألة الرئيسية وهي مسألة القيمة الموضوعية للأفكار، لكن ديكارت يتسائل هنا، هل هناك شيء ما تكون عنده مسألة المصدر موازية لمسألة القيمة المضوعية للأفكار فيجد أن الله أو أن فكرة الله هي فكرة في نفس الوقت تعكس تماما الله وهي صادرة حقا عن الله أي أن المصدر والمطابقة هما شيء واحد وهذه هي الحالة الوحيدة التي يمكن أن يكون فيها المصدر والمطابقة شيء واحد، فيستنتج ديكارت من ذلك ، أولا أن الله موجود، ثانيا بما أنه يألف بين القيمة الموضوعية المثلى للفكرة، والمصدر الحقيقي لهذه الفكرة فالله هو ضامن الحقيقة، ثالثا بما أن ديكارت كان يبحث عن القيمة الموضوعية للفكرة ولم يجد حلا لذلك فهو الآن تحصل على فكرة تكون نموذجا لكل الأفكار التي يمكن أن تكون صحيحة، وهذا يعني أن ديكارت الذي كان يبحث عن القيمة الموضوعية للفكرة والذي تحتم عليه الأمر فتح القوسين للحسيين، تحصل في فتحه لهذين القوسين على أكثر مما كان ينتظر تماما كما تحصل على أكثر مما كان ينتظر بالنسبة لمثال قطعة الشمع بما أنه كان يريد الإجابة فقط على الحسيين فإذا به يكتشف وجود الله وبالتالي بطريقة ملتوية وجد حلا لمسألة القيمة الموضوعية للأفكار.
ومن هنا نتبين أن مسألة الحقيقة تصبح ممكنة وهذا هو الموضوع العام للتأمل الثالث. (كيف نؤسس ما ورائيا الحقيقة). القيمة الموضوعية للفكر إذن هي قدرة الفكرة على تمثل شيء خارجي بعدما تحصلنا على ضامن لهذه الحقيقة، الشيء الذي لا يعني أن كل أفكارنا التي تدعي إنها لا تعكس شيئا خارجيا صحيحة، بل يعني فقط أننا تمكنا من أداة تجعلنا قادرين على التمييز بين القيمة الموضوعية المختلفة للأفكار. فديكارت يقف دائما موقفا ضد الحسيين لبيان أن الفكر يعرف نفسه بنفسه و أن الفكر لا ينتج عن الحواس والأشياء الخارجية... لكنه عندما يتشبث ببيان أن القيمة الموضوعية في الفكرة هي قيمة تمثلها لشيء خارجي فهو يبقى حسي، لأنه يربط الفكر بالشيء الخارجي، وهذه هي محدودية نظرية الأفكار عنده، فديكارت مازال يتحرك في نظرية التمثل التي سوف تعرف فيما بعد نقدا جذريا.
مسألة الخطأ
تعرض التأمل الثالث إلى كيفية تأسيس الحقيقة على أساس الله كضامن لها، لذلك يجب ربط هذه المسألة بالتأمل الرابع الذي يدرس امكانية الخطأ، أي البحث عن الحقيقة في المستوى الماورائي.
و لكن قبل التعرض إلى هذه المسألة ينبغي أن نسترجع أهم ما وصلنا إليه فيما يخص مسألة العقلانية عند ديكارت. ذلك أن الشك عن طريق فرضية "لإله" الماكر يصل إلى أقصى مستوياته فيأتي على الواقع والممكن في آن واحد، ذلك أن ديكارت في شكه هذا يقف تماما ضد كل الفلسفات التي سبقته عكس ارسطو مثلا الذي يبقي نسبيا على بعض الآراء أو مواقف الفلاسفة الذين سبقوه. كما يقف ضد "المدرسة" بالمعنى التقني و العامي، فكل فلاسفة القرن السابع عشر لم يدرسوا أبدا و هذه خاصية كل الديكارتيين. كما يقف ضد الذاكرة في المستوى الفلسفي، و ضد الطفولة و ضد المنطق الصوري بالمعنى الأرسطي (استخراج مفهوم متضمن في مفهوم آخر) و ضد المحتمل (الظن في تياتيتوس) و ضد المعرفة الموسوعية (ارسطو و هيقل) و ضد الأحكام المسبقة والآراء... و هو لا يؤسس الحقيقة إلا على اليقين أي على الأفكار الواضحة والمتميزة، هذه الأفكار التي نقبلها هكذا، بدون أن يكون فعل الفكر فيها فعل ايجابي حقيقي لأن الأفكار مجرّد صورة تمثل العالم الخارجي(ليس الحسي فقط). و لكن كيف نتحقق بصفة مطلقة أن الأفكار البديهية هي حقا واضحة ومتميزة؟
هناك من اعترض على ديكارت (خاصة أدرنو) قائلا، لكي نتحقق من أن فكرة ما هي فكرة متميزة ينبغي أن نميزها عن كل الأفكار التي يمكن أن ترتبط بها، أي ينبغي أن نقوم بعملية لا متناهية في التمييز بين هذه الفكرة و كل الأفكار لكي نتحقق أخيرا عن طريق التحليل من أن الفكرة المتبقية الأخيرة تتميز حقا عن كل الأفكار الأخرى. لكن الذهن عند ديكارت متناه فكيف يمكن لنا التحقق من تمييز فكرة عن غيرها تمييزا مطلقا؟
يجيب ديكارت بأن الله هو ضامن الحقيقة، فالفكر الإنساني متناه لكن الله لا متناه، لكن "أدرنو" لا يفهم هذا الجواب لأن ديكارت لا يوضح تماما علاقة الذات المتناهية بالله كضامن مطلق للحقيقة. فما يرمي إليه ديكارت هو أن علاقة الذات المتناهية بالله ليست في الحقيقة علاقة مخلوق بخالق أي ليست علاقة أنطولوجية بل هي علاقة متناه بلامتناه. فالله ليس له معنى ديني بل له فقط معنى ابستيمي، أي أن اعتراض أدرنو صحيح وكذلك جواب ديكارت صحيح لكن لغة التواصل بينهما غير واضحة، لأن أدرنو يتحدث لغة دينية بينما يريد ديكارت أن يوضح مسألة ابستيمية تتمثل في بيان أن الحقيقة كفكرة واضحة و متميزة ينبغي أن ترتبط بمجموعة كل الأفكار الأخرى، لكنني لا أستطيع أن أقوم بهذه العملية. ولذا يكفي حسب ديكارت أن أدرك بصفة منفصلة وعن طريق الحدس أي خارج الزمن والديمومة الذي يكون لا متناه ـ فكرة واضحة ما.
وبما أن العقل الانساني عند ديكارت هو عقل مستقيم* بطبيعته، إذ يعتقد ديكارت أن العقل نور طبيعي و هو مشترك بين كل التاس، فالعقل عنده موجود بطبيعته عند كلّ الناس أي العقل عند الفيلسوف هو عقل كل الناس أما الفرق الوحيد فيكمن في الانتباه فقط، فما هو مدى هذا العقل المستقيم وما هو مدى حصوله على أفكار فطرية صحيحة، ما عساه يفعل ما مدى وصوله إلى الصواب و وقوعه في الخطأ؟
إن الخطأ عند ديكارت هو الوجه الوحيد للسلب و هو الوجه المكمّل للعقل المستقيم، أي ليس هناك إمكانية وجود وجوه أخرى سلبية للعقل، فبالنسبة إلى ديكارت ترجع كل أوجه السلب إلى الخطأ، فإن يكون رجل مجنون فهو أن يكون خارج استيمية الخطأ و الصواب، كما أن الوهم ليس صحيحا أو خاطئا، فديكارت إذن لا يعترف بالوهم في حين أن كانط يقول أن هناك وهما داخليا في العقل الذي لا يقتصر على الخطأ والصواب، إذن هذا العقل المستقيم عند ديكارت لا يستطيع أن يؤدي إلى الخطأ، فما هو الخطأ عنده و كيف يؤسس هذا المستوى الما ورائي؟
يقول ديكارت في التأمل الرابع، الإنسان له ملكة حكم (ديكارت في التأمل الرابع ينقد الحكم لكن لا ينقد ملكة الحكم كما سيفعل كانط) وهذه الملكة تحتوي في الحقيقة على ملكتين متميزتين، الذهن من ناحية، و الإرادة من ناحية أخرى، و كل من هاتين الملكتين على حده ليس فيها نقص، حتى الذهن نفسه مع أنه متناه، والنقص الوحيد يأتي عن علاقة الإرادة بالذهن وعن هذه العلاقة ينتج الخطأ. فالخطأ إذن لا ينتج عن الأله و لا عن الذهن و لا عن الإرادة و لا حتى عن علاقة الذهن بالإرادة في حد ذاتها بل على نوع ما من هذه العلاقة عندما نثبت عن طريق الإرادة أفكار غير موجودة في الذهن. ذلك أن الإرادة اللامتناهية والتي أشبه بها بصفة مطلقة الله تعبر عن حرية اللامبالاة بصفة مطلقة و هذا الشيء ايجابي في حد ذاته (بما أنني أشبه الله) ولكن هذه الإرادة التي تجعلني أشبه الله هي التي تجعلني أثبت أو أنفي أشياء غير موجودة في الذهن إلى درجة أن حرية اللامبالاة تبدو من جهة ايجابية تماما و من جهة أخرى سلبية تماما... ايجابية لأنها قدرة على الفعل أو عدم الفعل، على النفي أو على الاثبات، سلبية لأنها مصدر الخطأ، و هناك من وجد في هذا الفهم للإرادة و الحرية تناقضا صارخا عند ديكارت ( ملاحظات Alquiet للتأملات)، وفي حقيقة الأمر ليس هناك تناقضا عند ديكارت بل هناك تمييزا بين مستويين، مستوى ما ورائي ومستوى ابستيمي (تحليل GUIROULT لمسألة الإرادة عند ديكارت) مستوى ما ورائي حيث يؤسس ديكارت الخطأ والمستوى الابستيمي حيث تتقيد الإرادة بالذهن، و حتى الخطأ نفسه يبين أن الإرادة حرة تستطيع أن تقوم بعمل ما ورائي. و لكن هل ينبغي أن تكون الإرادة دائما مقيدة بالذهن لكي لا نخطئ أم العكس؟
يبدو أن ديكارت يجيب العكس، فالأفضل أن تبقى الإرادة لا متناهية حتى و لو نخطأ لأنها مصدر حريتي المطلقة، لكن الأحسن أحيانا أن نقيدها لكي لا ننفي أو نثبت بصفة عشوائية، الأفضل هو أن أخطأ و أن لا أخطأ في آن واحد، أن أخطأ هو أن أكون حرّا دائما، وأن لا أخطأ، هو أن تكون الإرادة مستنيرة بذهن هو نور طبيعي مستقيم، وهكذا يؤسس ديكارت الخطأ في مستوى ما ورائي لكنه في آن واحد يؤكّد على ضرورة التنبه دائما وإثبات الأفكار الواضحة والمتميزة فقط، أن تكون الإرادة لا متناهية فذلك دليل حريتي حتى و لو انزلقت هذه الإرادة في الأخطاء، و هكذا يتحصل ديكارت في نهاية التأمل الرابع على نتائج مختلفة:
<!--[if !supportLists]-->1) <!--[endif]-->كلا من ملكة الذهن و ملكة الإرادة ليس فيهما عيبا و لا تنتج الخطأ على حدة.
<!--[if !supportLists]-->2) <!--[endif]-->إرادتي هي وسيلة حريتي المطلقة.
<!--[if !supportLists]-->3) <!--[endif]-->عليّ أن أتنبه كي لا أنفي أو لا أثبت إلا ما هو موجود في الذهن.
<!--[if !supportLists]-->4) <!--[endif]-->لكني توصلت إلى أن الخطأ مؤسس في مستوى ما ورائي.
طبيعة العقلانية عند ديكارت
و حدودها
سنحاول أن نسد من داخل العقلانية التي سادت في القرن الثامن عشر، الثغرات التي بقيت بارزة في العقلانية الديكارتية، والتي ترمز إلى نوعية هذه العقلانية ومكانتها في تاريخ الفلسفة.
لقد رأينا كيف يحاول ديكارت إخضاع كل الأشياء إلى نظام العقل، انطلاقا من الذات العارفة ومن ضرورة التثبت في كل خطى تفكيرنا، أي التثبت في قيمة وضوح الشيء الذي نريد أن نفهمه بعلاقته بالأشياء الأخرى. فديكارت يبين في التأملات أن اكتشاف وجود الله واكتشاف الطبيعة ينتج في مرحلة ما من هذا الوجود الفكري، وينتج لضرورة فكرية ما، ولمرحلة ما فقط، لكن ديكارت يبين من ناحية أخرى أن هناك أشياء لا ندرك ماهيتها رغم أننا نكتشف وجودها، هذا إلى جانب المجالات العملية التي لم يستطع ديكارت أو لم يجد متسعا من الوقت لفهمها فهما عقليا.
فديكارت اذن ترك ثغرات كبرى لم تلجها العقلانية، فعقلانيته هي من ناحية مطلقة ومن ناحية أخرى غير مطلقة، مطلقة لأن كلّ ما أعرفه أعرفه بصفة واضحة ومتميزة، ولكني لا أعرف كلّ الأشياء. وسيكون منطلق كل العقلانيات التي نميت في ظل العقلانية الديكارتية، محاولة تجاوز الثغرات وتعميم مبدأ العقل عليها. ونجد هذا النقد موجه من طرف فيلسوف ديكارتي، إذ يقول سبينوزا "لقد انطلق الفلاسفة اليونان من الطبيعة، ولقد انطلق ديكارت من الذات العارفة، أما أنا فأنطلق من الله" وفعلا فإن أول تعريف نجده في كتاب الأخلاق هو تعريف الله، فالله هو الجوهر الوحيد الذي يفهم كعلة وكغاية لنفسه أي أن الله هو كلّ الوجود، بل أن سبينوزا يعادل بين الله والطبيعة بصفة مباشرة. يؤكّد سبينوزا إذن، أن الوجود لا يحتوي إلاّ على جوهر واحد، وهو بذلك يختلف عن ارسطو و ديكارت، وهو جوهر لا متناهي ويحتوي على عدد لا متناهي من الصفات لا يدرك منها الإنسان إلا صفتين فقط صفة المادة و صفة الفكر، و مع ذلك فإنه يدرك إدراكا عقلانيا تاما هذا الجوهر. لذلك فالإرادة عنده معادلة للماهية أو للفكر، أي أن كلّ ما يفكر فيه الله يوجد بالضرورة، ومن هنا نستنتج أن الله ينفي تماما فكرة الخلق بمعنى تكوينه شيء بصفة حرة، فكل موجود وحتى وجود الله نفسه يخضع إلى حتمية مطلقة، و من هنا نرى الفرق الأساسي بين عقلانية سبينوزا وعقلانية ديكارت، فعقلانية ديكارت التي أعلنت على نفي الغائية وإقرار العلة الفاعلة أساسا، لم تستطع في الحقيقة أن تنفي الغائية نفيا مطلقا، ذلك أنها احتفظت بها في أهم مجالات الفكر الديكارتي خاصة على المستوى الما ورائي في فهم الله وعلى مستوى علاقة الجسم بالروح في الإنسان، ثم مستوى نتائج علاقة الروح بالجسم، بما أن ديكارت يقول بحرية اللامبالاة أي بحرية لا تخضع لأي حتمية ويكون مبدأها العلة الغائية، فالعلة الغائية هي إذن التي تجعل الإنسان حسب ديكارت يقوم بأعمال حرة بصفة مطلقة لأنه لا يخضع إلا إلى إرادته فقط وبدون أي شرط خارجي. أما سبينوزا فإننا نجد عنده نفي كامل للعلة الغائية من كل مجالات فلسفته لأنه منذ البداية أي منذ تحديد الله يجعل هذا الجوهر الواحد خاضعا خضوعا تاما للعلة الفاعلة ويكون سببا لذاته. ولهذا نجده في حاشية الكتاب الأول عن الأخلاق يفرد مجالا خاصا لنقد العلة الغائية نقدا نهائيا، فالكتاب الأول الذي يحدد فيه سبينوزا الوجود بصفة عامة ويبين فيه أن الله هو الجوهر الواحد وأنه خاضع لحتمية مطلقة وان كل الأشياء تنتج عنه بنفس الحتمية، كان يكفي لدحض العلة الغائية لكن سبينوزا رأى من الصالح* أن يفرد لها مجالا خاصا، فحاشية الكتاب الأول من الأخلاق تحاول أن تبين:
<!--[if !supportLists]-->1) <!--[endif]-->أن كلّ الأفكار المسبقة ترجع في النهاية إلى الاعتقاد في الغائية.
<!--[if !supportLists]-->2) <!--[endif]-->مصدر هذه الغائية: كيف تنشأ؟ مما تتكون؟
<!--[if !supportLists]-->3) <!--[endif]-->نقد الغائية وبيان أنها مجال يلتقي فيه الفيلسوف الكلاسيكي مع الفكر السائد عند البشر.
يبين سبينوزا إذن أن كلّ الأحكام المسبقة تصب في الغائية، ذلك أننا لو نشرنا الأشياء حسب عللها الغائية لعلمناها بصفة خاطئة، ولما حاولنا دائما ربط الأمور بعللها بصفة مؤقتة، لكننا عندما نعجز على ذلك نصدر أحكاما ذاتية نحاول أن نفسر بها الظواهر بل النوايا والأهداف والغايات التي تظهر لنا كذلك بصفة ذاتية، فكلّ الأحكام المسبقة ترجع إلى الغائية، والغائية تنشأ عن سببين:
<!--[if !supportLists]-->1- <!--[endif]-->عن إرادة الإنسان بصفة عامة أمام غموض الكون وجهله لعلاقات الأشياء، إرادة الإنسان المستمرة في البحث عن العلل.
<!--[if !supportLists]-->2- <!--[endif]-->عن رغبة الإنسان في الحفاظ على البقاء والبحث عن منفعته بصفة خاصة، لكنه بحثا مخطئا غالبا، لأنه يفسر الظواهر الطبيعية حسب منفعته.
فالعلة الغائية هي إذن اغتراب اقتصادي واغتراب إيديولوجي، اغتراب اقتصادي لأنها بحث مخطئ عن المنفعة، واغتراب إيديولوجي لأنها بحث مخطئ عن العلل، فهم مخطئ للوجود واغتراب لأنها تؤدي إلى قلب علاقات الأشياء حتى أن الإنسان يضع العلة مكان النتيجة والعكس بالعكس.
عندما يغترب الإنسان هكذا، أي عندما يبحث عن العلل بدون أن ينجح في بحثه هذا مع تشبثه بمحاولة فهم الوجود ينتهي إلى تفسير الظواهر الطبيعية (التي ينبغي أن تخضع إلى حتمية مطلقة) تفسيرا انثروبومورفيا أي حسب ما يشعر به هو وما يريده هو وما يفهمه هو. و يعكس كلّ ذلك على الظواهر الطبيعية فيقول أن الأشياء جعلت بل و خلقت لهذه الغاية أو تلك فينزلق في التفسير الغائي بصفة لا شعورية.
إلى هذا الحد يقول سبينوزا أن هذا السلوك لا يؤدي إلى شيء خطير جدا. لكن الإنسان يتمادى في سلوكه هذا لأنه يلاحظ أن توجهه الأول أي تفسير الظواهر بعلل غائية حسب المنفعة لا يكفي، لأنه يلاحظ من جهة أخرى أشياء تبدو له غريبة في الطبيعة ، حوادث طبيعية و تقلبات طبيعية لا تتماشى مع منفعته فيركن الإنسان إلى غائية أشد خطورة و يقول أن هذه التقلبات ناتجة عن غضب الطبيعة بل عن غضب الآلهة فتختلط الأمور عنده لأنه في البداية كان يميل إلى تفسير الأشياء بصفة موازية لمنفعته أي بصفة ايجابية وحسب طريقة غائية لكنها مازالت لم تظهر الجانب السلبي وبالتالي تمزق الإنسان أمام هذه الظواهر الطبيعية فينتج الخوف ـ هذا الخوف الذي جعله هوبس أساس الإنسان ـ الذي يبين سبينوزا أنه ينتج في مرحلة ما فقط من ظهور التفسير الغائي، وعندما ينشأ الخوف يكون الإنسان دينيا وهو الدين المتواجد حسب سبينوزا، أي دينا مخطأ دائما يفسر الأشياء تفسيرا غائيا، وهو في

ahmed horchani

عدد المساهمات : 62
تاريخ التسجيل : 19/09/2009
العمر : 44

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى